رسالة (بالبريد الإلكتروني)
بقلم : سلمى الغـجريـة
عزيزاتي ، أعزائي !
بـعـُدَت ْ الشـُقة ، وطال أ َمدُ الغيـاب ِالذي كاد أن يعبثَ بذكريات ٍ نـُقشتْ في البال بحروفٍ
من الوُد واللهـفة إلى ماض ٍ وردي و وداعة ٍ تستقي رحيق زهرهـا و عطر نسائمهـا من
براءة ِ المكان و أهله و فرح ِ الزمان الذي أنارتْ لياليه أهلـّة ٌ و بدور، و زَخرفتْ سهراتـِه
موسيقى و رقصات ٍ وخصور، لا يزال الحنينُ إليها يؤرقني والشوقُ لعودتها يشتعل بقلمي.
إنـني وإنْ كنتُ قد أبدلت ُ المكان ، غير أن ّ إنسانه لا يزال يسكن قلبي الذي لم أدَع ْلغيره
فراغا ً في حُـجُـراته وأنا لا أزال أحمل في ترحـالي إنسانين هما إنسان عيني و إنسان قلبي .
عزيزاتي ، أعزائي !
أسكنُ مع رَبعي قرية ً في شمال غرب تركيا حيث يتجسد جمال الإبداع الإلهـي في غابات
تمتد إلى حدود الشمس و بحيرة ٍ قريبة ينام عند ضفافهـا التاريخ وسهل ترتاح فيه أسراب
الطيور المهـاجرة لتنفض عن أجنحتهـا التعـِبة رطوبة الضباب و صفير الريح و برد
شتاء الألب و الأناضول . هنا من مرتع الخيـول ، و ظـِلّ ِ الخيام التي تحكي للريح حكايات ألف ليلة ،
تـُبدعُ آلة البز ُق ألحان الروح و تشدو فتياتُ الريف بكلمات الحب و لوعة الغـُربة .
لقد أبدل شيخنا ربابته بآلة كمان واشترى زوجي الناي فأطلب منهما أحيانا أن يشتركا في
عزف أغنية عزيزة على قلبي هي : سافر ياحبيبي و ارجع لا تطو ّل بالله الغيبة !
أ ُغنـّيها و أنا أ ُخفي دمع عيني على من كانوا يوما ً أصحابي و خـِلاني .
عزيزاتي ، أعزائي !
أ ُشاهدُ على محطة تلفازنا المحلية بعضا ً من أخباركم . أرى أطفالا ً لكم يبكونَ و نساءا ً
تركض في الشوارع و أرى رجالا ً في مسيرات ٍ يهتفونَ باسم الحـرية و أنا لا أجيد اللغـة
التركية كثيرا ً لأفهمَ حقيقة الأمر عندكم من قارىء الأخبـار . أسمع كلمات من الجموع تردد :
دستور ، فساد ، تغيير، قصف ، هجوم ، ناتو ، قوات .... قلقة أنا عليكم وعلى مستقبل الأرض
التي كانت خيمتي فوقها منذ طفولتي . من هو هذا الناتو ؟ هل هو صديق للعرب كي يتدخل لفض
نزاعاتهم و يرجع للمظلوم حقه من أخيه الظالم ؟ من يظمن لكم أنه سيغدر بالمظلوم و ينتزع منه
حصته التي انتزعـها من أخيه ؟ أكتب لكم الآن من كمبيوتر جارتي التركية التي تطفلت عليهـا في
هذه الساعة المتأخرة من الليل و أنا قلقـة ٌ جدا على أصدقاء لي في أراضيكم و على رُبـوع ٍ كانت
مضاربَ لعشيرتي يوما ً .
سمعت ُمن زوجي ( أبو عمر) أن بلاد العَـرب في خطر و أراضيهم سيتغير أديمُهـا !!!
أتمنى ألا تكون هناك حدودٌ جديدة و قوانينُ تحد من حرية (النـّو َر ) في الحـِلّ و الترحا ل في بلادكم فأنا لا أزال أحن ّ ُ إلى هواء و ماء بلاد العرب و سماع قصص أمجاد العرب و عزة العرب وتاريخ العرب و ما أوصى به رسول العرب .
أختكم سلمى الغجرية